أبو نصر الفارابي

15

كتاب السياسة المدنية

وفيهم الشكاك الذين تغلب عليهم الحيرة في الأمور كلها ويظنون أن أحدا لم يدرك الحقيقة وليس بوسع أحد بلوغها . ومنهم أخيرا السفسطائيون الذين يذهبون إلى أن الحقيقة نسبية ، تختلف باختلاف الناس « وأن الحق هو ما ظهر لكل واحد وظنه في الوقت بعد الوقت وأن الحقيقة في كل شيء هو ما يظنه به ظان » . قلنا إنّ الفارابي عالج في كتاب « السياسة المدنية » الموضوعات ذاتها التي عالجها في كتاب « آراء أهل المدينة الفاضلة » وإنّ آراءه هنا لا تختلف عن آرائه هناك ، وهذا ما يحدونا على التساؤل عن سبب ما وقع فيه من تكرار . لقد تنبه القفطي إلى هذا الأمر عندما قال في سياق ترجمته للفارابي في كتابه « أخبار العلماء بأخبار الحكماء » : « ثم له بعد هذا في العلم الإلهي وفي العلم المدني كتابان لا نظير لهما ، أحدهما المعروف بالسياسة المدنية ، والآخر المعروف بالسيرة الفاضلة ، عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهي على مذهب أرسطوطاليس في المبادي الستة الروحانية ، وكيف يوجد عنها الجواهر الجسمانية على ما هي عليه من النظام واتصال الحكمة ، وعرف فيهما بمراتب الإنسان وقواه النفسانية ، وفرق بين الوحي والفلسفة ، ووصف أصناف المدن الفاضلة واحتياج المدينة إلى السير الملكية والنواميس النبوية . . » . ولكن يلفت نظرنا في القفطي المسائل التالية : أولا قوله : « ثم له بعد هذا في العلم الإلهي وفي العلم المدني